صناعة المسخ لسامح سليمان

قسم : قراءات   

في الفصل الأول الذي يرسم صورة قاتمة كريهة للجنس البشري إن صدقت يكون الإنسان أسوأ مخلوق على الإطلاق وأبشع من كل الخيالات عن الأموات الأحياء والزومبي ومصاصي الدماء. لكن إذا تم اعتبار الصورة القاتمة هي تصور لأسوأ وضع يمكن أن يتحول إليه الإنسان بسبب الانغلاق والقمع والديكتاتورية بدءا من الأسرة, فغالبا سنتمكن من استكمال قراءة كتاب “صناعة المسخ” لنجد أن سامح سليمان لديه بالفعل رؤية متميزة حول كيف تتم تنشئة المسوخ وصناعتهم في البيئات المنغلقة التي لا تقبل الاختلاف ولا تفتح الآفاق للعقل والتنوع. 

رغم قتامة الفصل الأول إلا أنه يركز على كارثية التعامل مع الأبناء باعتبارهم مليكة للآباء يفعلون بها ما يشاءون, ويرفض هذا التصور مؤكدا على أن الإنفاق والرعاية واجب على الآباء وليس هبة منهم للأبناء الذين قرر البالغون إنجابهم والإتيان بهم إلى الحياة. حيث أنه وفق رؤية الكاتب: “الكائن البشري الفرد وحتى الإنسان الفرد هو نتاج لعنة مجيئه إلى الحياة- فالإتيان إلى الحياة هو أساس كل حزن وألم وكارثة تصيب الإنسان على مدار رحلة حياته” 

ولعل المشكلة الحقيقية في مؤسسة “الأسرة” هي بالأساس القيم التي بنيت عليها حيث أنها “بُنيت على قيم سلطوية عبودية احتكارية غاية في النفعية والاستغلال للجانب الأضعف جسديا واقتصاديا ومجتمعيا”

في الفصل الثاني ينتقل الكتاب لمناقشة “الفردية والمحرمات الثقافية” والذي يستهله برفض تام لنموذج المثقف لاعق الأحذية ويتحدث عن “الحرية الذكية” التي بحسب وصفه “الحرية الذكية هي الامتحان الحقيقي لإيمان المرء بمعتقداته وقيمه, هي النار التي تصقله وتنقيه من شوائب المجتمع, الحرية هي الصدق, هي اكتشاف النفس, هي تحقيق الذات حتى ولو بشكل خاطئ في نظر البعض, فالصواب والخطأ نسبيين بدرجة كبيرة, ولا يوجد كل أو قالب واحد للسلوك الصائب, فالحياة ثرية وكذلك الإنسان.”

كما تطرق لواحدة من أكبر المشكلات التي تكاد تقضي على الحرية والإبداع وهي “هوس التدين” قائلا إن مجتمعاتنا العربية تعاني من الهوس بتديين كل شيءفي الحياة والصراع حول من هو أكثر تدينا, فالجميع يتحدثون في الدين ويقحمونه في كل شيء طمعا في ازدياد شعبيتهم, سواء كُتاب أو صحفيين أو فنانين أو رياضيين ورجال علم ورجال سياسة ولصوص تائبين, وإقحام رجال الدين وممثليه في كل شيء  حتى في ما لا يفقهونه من علم أو فن أو فكر وثقافة, بل ودعم سيطرتهم التامة على على كثير من المؤسسات واستيلائهم على كثير من المهن وممارستهم في بعض الأوقات لكثير من الأدوار منها على سبيل المثال دور القاضي والمشرع القانوني والمذيع والضيف الدائم في كثير من برامج الفضائيات- مقابل عائد مادي مجزي- والطبيب الفاهم المُعالج لكل الأمراض, وأيضا دور المحلل النفسي والرياضي والناقد الأدبي والفني, وإقحام الدين في تفسير الأحداث اليومية والظواهر الطبيعية كالأعاصير والزلازل والأوبئة والأمراض. 

ذلك الهوس الذي لا يعكس تدينا حقيقيا ولا يرقى بإنسانية البشر -كما هو مُفترض في التدين الحقيقي- نتيجته الحتمية تكون خواء فكري ونفسي يتم الاستعاضة عنه بالتجهيل ونشر الخرافة و”إلهاء العقول بالصغائر والتوافه من قضايا تم حسمها منذ زمن طويل في بلدان أخرى أكثر مدنية وحضارة, واختزال طموحات وأحلام وقضايا مجتمعاتنا- ذات القابلية العالية للحشد والتغييب والاستلاب- في تحقيق انتصارات افتراضية هلامية في ميادين الخرافة والجهل والوهم والجنون كمُسَكن لألم الخواء الفكري والنفسي”. وبتعبير آخر تكون النتيجة أن “جبروت الرجاء يحل محل قوة الفعل التغييري, روحية الاستجداء والاحتماء تحل محل المطالبة بالحق والتصدي لانتزاعه”

ولحل هذا المأزق يرى الكاتب أن من أهم الخطوات هي التفكير النقدي الحر والانفتاح الثقافي بل وإحداث ثورة ثقافية تضمن الحرية التي هي “روح الإبداع وأرضه الخصبة”.

بعض اقتباسات من كتاب “”صناعة المسخ”

  • إن الإنفاق والرعاية وتوفير المسكن المناسب والحياة الكريمة للأبناء, ليس فضلا أو هبة أو عطاء من الآباء, بل هو حق للأبناء وفرض ومسئولية على الوالدين
  • الكائن البشري الفرد وحتى الإنسان الفرد هو نتاج لعنة مجيئه إلى الحياة- فالإتيان إلى الحياة هو أساس كل حزن وألم وكارثة تصيب الإنسان على مدار رحلة حياته.
  • إن مؤسسة الأسرة قد بُنيت على قيم سلطوية عبودية احتكارية غاية في النفعية والاستغلال للجانب الأضعف جسديا واقتصاديا ومجتمعيا 
  • المثقف الحقيقي ليس من يلعق الأحذية ويستجدي تلميع وسائل الإعلام لتعترف بكونه مثقفا, ليس موظفا يقدس الشكل ويسير بحسب قواعد الأسلاف, المثقف الصادق الحر لا يحيا إلا بالحرية, ولهذا قد ينشدها ويطالب بها له ولغيره من المبدعين فالحرية هي روح الإبداع, هي الإنسانية.
  • الحرية الذكية هي الامتحان الحقيقي لإيمان المرء بمعتقداته وقيمه, هي النار التي تصقله وتنقيه من شوائب المجتمع, الحرية هي الصدق, هي اكتشاف النفس, هي تحقيق الذات حتى ولو بشكل خاطئ في نظر البعض, فالصواب والخطأ نسبيين بدرجة كبيرة, ولا يوجد كل أو قالب واحد للسلوك الصائب, فالحياة ثرية وكذلك الإنسان.
  • إن مجتمعاتنا العربية تعاني من الهوس بتديين كل شيءفي الحياة والصراع حول من هو أكثر تدينا, فالجميع يتحدثون في الدين ويقحمونه في كل شيء طمعا في ازدياد شعبيتهم, سواء كُتاب أو صحفيين أو فنانين أو رياضيين ورجال علم ورجال سياسة ولصوص تائبين, وإقحام رجال الدين وممثليه في كل شيء  حتى في ما لا يفقهونه من علم أو فن أو فكر وثقافة, بل ودعم سيطرتهم التامة على على كثير من المؤسسات واستيلائهم على كثير من المهن وممارستهم في بعض الأوقات لكثير من الأدوار منها على سبيل المثال دور القاضي والمشرع القانوني والمذيع والضيف الدائم في كثير من برامج الفضائيات- مقابل عائد مادي مجزي- والطبيب الفاهم المُعالج لكل الأمراض, وأيضا دور المحلل النفسي والرياضي والناقد الأدبي والفني, وإقحام الدين في تفسير الأحداث اليومية والظواهر الطبيعية كالأعاصير والزلازل والأوبئة والأمراض. 
  • الدين ورجاله وممثليه ليس دورهم إصدار التشريعات القانونية أو اختيار وتقرير المناهج التعليمية أو الظهور على صفحات الجرائد وفي الوسائل الإعلامية
  • إن نتائج تكريس الخرافة وتجريم النقد عديدة ووخيمة منها إلهاء العقول بالصغائر والتوافه من قضايا تم حسمها منذ زمن طويل في بلدان أخرى أكثر مدنية وحضارة, واختزال طموحات وأحلام وقضايا مجتمعاتنا- ذات القابلية العالية للحشد والتغييب والاستلاب- في تحقيق انتصارات افتراضية هلامية في ميادين الخرافة والجهل والوهم والجنون كمُسَكن لألم الخواء الفكري والنفسي.
  • جبروت الرجاء يحل محل قوة الفعل التغييري, روحية الاستجداء والاحتماء تحل محل المطالبة بالحق والتصدي لانتزاعه. “التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور”
  • إن أحد أزماتنا المتعددة هي أزمة الفكر النقدي التقدمي الإصلاحي المستنير من حيث الانتشار والفاعلية والتفعيل, بل وحتى من حيث الوجود سواء على الساحة الثقافية أو الشعبية
  • إذا حاول مفكر أو باحث أو كاتب أن يدعو إلى استبدال الثقافة السائدة بثقافة أخرى, أو حتى الدعوة إلى إعادة الفحص والمراجعة والبحث فيما هو سائد ومفروض ومقبول ومسلم به من عادات وتقاليد وقيم وتقييمات وأعراف ومعتقدات وثوابت ومُسلمات, أو أن يخرج عن دائرة المباح والمسموح بعرضه أو بمناقشته من أفكار ورؤى ونظريات, لا يلقى إلا العدائية والنبذ والرفض المجتمعي وتأليب واستفزاز السوقة والدهماء, وتشريع القوانين المقيدة لحرية النقد والتعبير, وتأجير مرتزقة الفكر والإعلام المرئي والمسموع والمكتوب لتسفيه أفكاره ونعته بأقذع المسميات وأحط التشبيهات ونهش سيرته واتهامه بالجنون أو العمالة أو السعي لنشر الرذيلة وزعزعة ثوابت المجتمع.
  • وتكمن أهمية الجدال وصراع الأفكار أنه من خلال الصراع الناشئ عن صدام الفكرة الأولى (القديمة أو السابقة) مع الفكرة الثانية (المختلفة) يحدث شيء من ثلاث, إما إحلال الثانية محل الأولى أو بقاء الأولى ورفض الثانية أو نشوء فكرة ثالثة مزيج من الأولى والثانية أو فكرة جديدة بالكلية.