نفيسة الصباغ تكتب عن الرجال الدواعش ووجع القلب المستمر

قسم : مقالات   

قد يكون قدر البشرية التأرجح أبدا بين الإنسانية والهمجية.. تارة تأخذ خطوة للأمام نحو المساواة والعدل والرحمة وتتراجع تارة للخلف نحو همجية الإنسان البدائي ووحشيته وفي الحالة الأخيرة تدفع النساء الثمن مضاعفا. ففيما بدأت حركة حقوق الإنسان والمعايير الدولية للمساواة وعدم التمييز وتطورت وبدأت البشرية تسعى نحو الالتزام بها تتفجر منطقة الشرق الأوسط بالصراعات ويظهر كابوس تنظيم داعش الإرهابي لينسف كل محاولات التقدم ويعيدها قرونا للوراء.. وكالعادة تتقدم النساء صفوف الضحايا ليتم اغتصابهن بيعهن وتبادلهن كممتلكات للرجال.
وعلى الجانب الآخر بين من يعيشون في المعسكر المعادي لداعش.. تتجه الأيدي والألسن نحو النساء بطرق أخرى.. ففي تقرير للأمم المتحدة عن ظاهرة التحرش الجنسي بالنساء في مصر اتضح أن 99.3% من المصريات تعرضن للتحرش والأخطر هو أن 51.6% من الرجال الذين شملتهم الدراسة اعترفوا بأنهم تحرشوا بنساء. فكما يستهدف الدواعش النساء.. لا يتركهن المعسكر المعادي.
وفي نفس المعسكر الذي يرفض عنف داعش ضد الرجال والنساء ينسى كثيرون دعواتهم للتعامل مع النساء باحترام وبالحديث عن حرية النساء في كثير من الأوقات.. ويكفي قراءة ما كتبته إحدى الفتيات على فيسبوك عن معاناتها والضرب الذي تعرضت له بعد خلعها الحجاب… لمعرفة أن معسكر الرافضين لداعش ليس أفضل كثيرا في التعامل مع المرأة باعتبارها “جزء من الممتلكات الخاصة”. الفتاة لم تتحدث كثيرا ولكن صورها التي أوضحت آثار الضرب على عينها ووجهها قالت كل شيء.. أما هي فلم تكتب أكثر من:
“اللي عايزة تلبس حجاب تلبس واللي عايزة تقلع تقلع” الحقيقة ان اللي عايزة تقلع مش بسهولة اللي عايزة تلبس.. ده جزء م اللي حصلي عشان قررت اقلع الحجاب والنهاردة بس حسيت بالشجاعة الكافية اني أحط الصورة دي. ماتضحكوش على نفسكوا وتقولوا اللي عايزة تقلع تقلع. ليست مسألة حجاب أو حشمة.. هي كارثة اعتداء على النساء يبرره المجتمع في هذه الحالة بزعم الحرص على الدين.. وهي بالمناسبة نفس الحجة التي يستخدمها الدواعش لتبرير كل وحشيتهم.
يحدث هذا وغيره الكثير في مصر التي تعول ثلث أسرها نساء.. ويساهمن في الإنفاق على نسبة كبيرة من الأسر الأخرى. يحدث هذا في مصر التي يقدر فيها قيمة العمل المنزلي للنساء بين 307.6 مليار جنيه ، و455 مليار جنيه ، أي ما يمثل 20.4% أو 30.2% من الناتج المحلي الإجمالي بحسب دراسة صدرت عام 2012. الدراسة التي أصدرتها مؤسسة “المرأة الجديدة” وأجرتها الخبيرة الاقتصادية سلوى العنتري كشفت أن متوسط ساعات العمل المنزلي غير مدفوع الأجر للمتزوجات يقدر بنحو 37.27 ساعة أسبوعيا مقابل 13.8 ساعة أسبوعيا لغير المتزوجات.
ولا يخرج لنا أي من الدواعش ولا من معسكر رافضيهم ليتحدث عن الرفق بمن يلعبن دورا بهذا الحجم في المجتمع والأسرة ولا تقدير كل تلك الساعات غير مدفوعة الأجر معنويا.. فيكتفي الجميع بالقول أنه “دورها”. فتظل الدائرة المفرغة التي تدور فيها المرأة تنفق وتقوم بالأعمال المنزلية ورعاية لأطفال وكبار السن في العائلة وتتحمل التعنيف والضرب والتحرش.. بزعم أنه “دورها” ولابد أن تتحمل لتستمر الأسرة.
هل الأمر مصري أو شرقي فقط؟؟؟ هل يتعلق بالعالم الإسلامي فقط؟؟ بالطبع لا فالتمييز والعنف ضد المرأة سلوك همجي عالمي بامتياز.. ففي تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية عام 2013 اتضح أن “عنف الأزواج من أكثر أنواع العنف شيوعاً ضد المرأة، إذ يلحق الضرر بنسبة 30% من النساء في أنحاء العالم أجمع”. أما بالنسبة لبيرو فسجلت وزارة المرأة 680 حالة وفاة بسبب العنف الزوجي في السنوات الست الأخيرة.
وفيما يبرر المسلمون عنفهم بالدين ورخصة ضرب النساء لتأديبهن… تبرر شعوب أخرى العنف ضد النساء بـ”الحب”.. ففي بيرو جمعت منظمة غير حكومية رسائل يعتذر فيها رجال عن العنف ضد زوجاتهم أو حبيباتهم وأوضح الكتاب النهايات الكارثية لتلك العلاقات والتي دفعت النساء فيها أثمانا باهضة كانت في بعض الأحيان حياتهن كلها.
في واحدة من الرسائل كتب رجل لزوجته: “تعرفين أنني أحبك، ولو أنني أخطأت. لن يتكرر ذلك أبدا”.. ووقع الرسالة بـ “أكثر شخص يحبك في العالم”.. صدقته الزوجه وكانت النتيجة أنه بعد فترة هشم جمجمتها بصندوق حديدي.
وفي رسالة أخرى وعد الزوج بعدم تكرار العنف أيضا وقال: “كل ما كنت أريده هو أن تفهمي أنك زوجتي. فجننت لفرضية أن تذهبي مع رجل آخر. جننت وفقدت السيطرة” على تصرفاتي. وبعد عام من عودة الحياة الزوجية اعتدى على زوجته وهي حامل ففقدت جنينها وفقدت معه القدرة على الإنجاب .
العنف ضد المرأة ليس مبررا تحت أي زعم.. ولا يجب على النساء الصمت عليه.. فمن سيدعم معركة المرأة ضد العنف في موقف قد يقف في المعسكر المعتدي عليها في موقف آخر.. الأخطر أن النساء يصمتن على العنف وأحيانا يبررنه فتستمر الكوارث في الحدوث لأن بداخل كثير من البشر “دواعش” تظهر أحيانا وتختفي أحيانا.. يا نساء العالم ارفضن العنف تحت أي مبرر من أجل حياة أقل بؤسا وألما لأسركن ومستقبل أفضل وأكثر رحمة للأجيال القادمة.