نفيسة الصباغ تكتب عن الانفجار القادم دولة عدالة ومواطنة هي الحل

قسم : مقالات    الكاتب :

في الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير تسقط شهيدة جديدة برصاص الشرطة لتفتح جرح جديد يضاف إلى جراح لم تغلق. نفس الردود التي تم اتباعها منذ اندلاع الثورة من نوعية: “مافيش خرطوش” و”الشرطة تحمي حقوق الإنسان” و”نجري تحقيقا” و”نلاحق القتلة”… ثم تهدأ الأوضاع قليلا بالنسبة للقائمين على الحكم في مصر ويغلق الملف دون إدانة من قتل ولا من أصدر الأوامر بالقتل.. لنظل ندور في نفس الدائرة المغلقة.
لن تنعم مصر بالأمن والاستقرار قبل محاسبة حقيقية على كل ما مضي ليتمكن المواطن من وضع ثقته في المستقبل.. الفكرة ليست انتقاما كما يحاول البعض الترويج لها.. لكنها إرساء مبادئ للمستقبل لن تتوافر دون محاسبة على الماضي واعتراف صريح وواضح بالأخطاء والكوارث التي ارتكبتها الدولة المصرية بكل مؤسساستها.
نعم الداخلية قتلت ولا تزال تقتل المواطنين دون عقاب… كل ما تغير هو أن الوزارة بعد الثورة بدأت تتحدث عما تسميه “تحقيقات” في القضايا التي تثير جدلا كبيرا.. ثم ينتهي الجدل فتنتهي القضية ويغلق الملف دون عقاب. المشكلة أنه لا قواعد جديدة تحكم عمل تلك الوزارة لتضمن حقوق العاملين فيها وحقوق المواطنين الذين يحتكون بهم بشكل يومي وتشجعهم على طلب حقوقهم من خلال منظومة عادلة يثقون فيها.
لم تحدث إعادة هيكلة للوزارة التي اندلعت بسببها الثورة في مثل هذا اليوم منذ أربعة سنوات. نعم نحن حاليا نواجه هجمات إرهابية قاسية وشديدة ولا يمكن لعاقل أن ينكر تلك الهجمات ولا ذلك الإرهاب.. لكن يبدو أن الدولة ليست واعية بما يكفي بأن الدعم الشعبي لمواجهة الإرهاب هو كلمة السر في النجاح.. وأن هذا الدعم يتآكل يوميا لأن الوزارة التي فجرت شرارات الثورة تستكمل مسيرتها على نهج داخلية حبيب العادلي..
الدعم الشعبي يتآكل لأن نفس الدولة التي تزعم مكافحة الإرهاب لا تضع سياسات حقيقة لدولة مواطنة يتساوى فيها الجميع أمام القانون فيستمر التوريث في الشرطة والقضاء والنيابة وغيرها ويغلق المجال أمام أبناء الفقراء فيموت الحلم بغد مختلف. الدولة التي تزعم مكافحة الإرهاب ويكرر رئيسها في كل مناسبة دولية أن مكافحة الإرهاب أمنيا فقط لن تنجح ولابد من مواجهة شاملة للإرهاب, تستمر في التعامل الأمني فقط مع الإرهاب.
وتحت ذريعة مكافحة الإرهاب يستمر التضييق على الحريات الإعلامية والسياسية والاجتماعية وحريات التنظيم والحريات النقابية… ويتم كيل الاتهامات للمعترضين بالخيانة والعمالة ودعم الإرهاب والرغبة في سقوط الدولة… وغيرها من الاتهامات الجاهزة التي تنتشر في كل وسائل الإعلام بالتزامن وكأن جهة ما أو شخصا ما ضغط الزر فانطلقت الألسن بالاتهامات.
القمع لا ينتج وطنا مستقرا ولا يسمح بمحاربة ناجحة للإرهاب.. والاعتقاد بأن قوة النظام في أجهزته الأمنية وسيطرته على الإعلام والفضاء العام في الدولة والتحكم في أي حراك محتمل لم ينفع نظام مبارك حين قرر الشعب إسقاطه.
المعضلة هنا هي أن أي خروج جماهيري كبير ستكون تبعاته كارثية على الدولة… والرؤية الأمنية البالية والقاصرة لم تفلح مع مبارك ولم تفلح مع أي نظام آخر في التاريخ. لكن يبدو أنه بعد 4 سنوات من الثورة وبعد موجة ثورية ثانية لتصحيح المسار في 30 يونيو 2013, لم تفهم النخبة الحاكمة بعد أن إصلاحا حقيقيا ومزيدا من الحريات هو الحل الوحيد لاستقرار حقيقي في مصر. لم يدرك الحكام والمسئولين بعد أن مزيدا من القمع لن يجدي فقانون الطوارئ لم يمكن مبارك من وقف الثورة عليه كما لن يفلح قانون منع التظاهر من وقف الخروج إذا قررت الجماهير..
فزاعة الإخوان في عهد مبارك انتهت في النهاية بشعب يقف في الشارع داعما لاختيار الإخوان للبرلمان والرئاسة, وفزاعة الإرهاب لن تمنع المصريين من الثورة مرة ثالثة إذا وجدوا أن لا أمل في إصلاح حقيقي لحياتهم. لا أمل في استقرار ولا إصلاح حقيقي دون إنهاء التحالف المستمر بين الدولة وأدوات الاستبداد ولا دون إنهاء التحالف بين الدولة ورجال الأعمال على حساب غالبية الشعب من الفقراء. لن يحدث استقرار حقيقي دون إقرار وتفعيل قوانين حقيقية تضمن استقلال القضاء ولتحويل وزارة الداخلية إلى جهاز يمكن محاسبة أفراده وأن تكون مهمته الحقيقية هي حفظ الأمن وليس الاستبداد لحفظ “الأمن السياسي”. لن يكون هناك استقرار حقيقي دون ضمان سبل واضحة لاستعادة الحقوق عبر قانون يطبق على الجميع دون تمييز لابن مستشار او ابن لواء.
العدالة والحرية هما السبيل لبناء حقيقي لدولة مواطنة لكل أبنائها يفصل بينهم القانون حكاما ومحكومين دون تمييز على أي أساس.. حتى تبدأ خطوات جادة في هذا الاتجاه ستظل المظاهرات المطالبة بالحرية تخرج وإن قل عددها وسيظل الوجع على شهداء جدد يفجر الغضب في قلوب المزيد من المصريين. كما سيستمر العنف والإرهاب ويتزايد اللامبالين به طالما أنه ضد الدولة القمعية..
الثورة التي بدأت ستستمر في تفاعلاتها لأنها لم تكن مجرد تظاهرات حشادة في الشارع, تلك الثورة غيرت النساء فخرجن بالآلاف إلى الشوارع وتركت أثرها على جيل كامل فأصبح ملايين الطلاب من المراهقين والشباب يحلمون بمستقبل أفضل ولن يقبلوا باستمرار الوضع على ماهو عليه.
الشعب تغير وهو وحده سيقرر إلى متى سيصبر على استمرار نفس سياسات نظام مبارك استسلاما لمواجهة الإرهاب. الانفجار القادم سيأتي لا محالة إذا استمرت نفس الأجهزة تتعامل بنفس الطريقة.. لكن التوقيت سيحدده الشعب المصري وحينها لا الحكومة ولا الإعلام ولا الداخلية ولا حتى الجيش سيمكنهم وقفه. يا من تحكمون مصر: دولة العدل والمواطنة هي الحل إن أردتم استقرارا وبناء حقيقيين.