نفيسة الصباغ تكتب  الأنوثة سلاح النساء الذي يفتك بهن في العمل

قسم : مقالات   

أحيانا تكون لبعض نماذج من النساء تأثيرا أكثر سوءا من أي رجل مهما كانت درجة عدائه لحقوق المرأة وللمساواة.. وربما يكون أخطرها على الإطلاق تلك التي تنطلق ليل نهار لتدافع عن حقوق المرأة وعن مساواتها بالرجل في العمل ثم تتصرف على أرض الواقع بطريقة مختلفة وتبدأ في اختلاق الأعذار لنفسها باعتبارها “أنثى” لا يجب أن تتحمل نفس القدر الذي يتحمله زميلها من المسئوليات..

وتحاول التأثير على الرؤساء والمرؤوسين بأنوثتها لنيل بعض المميزات التي لا تستحقها. للأسف النموذج متكرر في الأوساط الإعلامية على الأقل خلال رحلتي التي شارفت على إكمال عقدين كاملين في بلاط صاحبة الجلالة.. لا أقصد التعميم بالطبع لكن هناك نماذج عدة قابلتها في رحلتي تدافع بقوة عن حقوقها ولا ترغب في تحمل الأعباء لنيل تلك الحقوق.. هم رجال ونساء بالطبع..

لكن النماذج النسائية من هذه الفئة تخصني أكثر لأنها بشكل او بآخر تؤثر فعليا على وتحملني- كامرأة- بمزيد من الجهد لإثبات قدرتي على العمل.. فالبعض لا يدركن أن لكل شيء في الحياة ثمنا يجب دفعه وفي العمل لابد وأن يكون الثمن هو الجهد والمثابرة وليس أي شيء آخر. فهناك من تعتمد على جمالها وأنوثتها للترقي أو تمكث في المؤسسة لبعض الوقت تتفحص الزملاء من الرجال لتختار فريستها ثم تبدأ في رمي الشباك على هذا الشخص فتقضي جانبا كبيرا من وقت العمل في تتبع أخبار “الفريسة” أو “الزوج المستقبلي”..

وتفكر جاهدة في أنسب طريقة للفت نظره.. تسريحة شعر مختلفة أو ماكياج أفضل أو تغيير لون الشعر أو العدسات اللاصقة أو ارتداء الحجاب لينتبه لها.. أن تنجذب المرأة لرجل أو تعجب به فتبدأ مرحلة تعارف قد تنتهي بالارتباط شيء والتخطيط والرسم وبذل الجهد والوقت لصيد “العريس” شيء آخر.

 حالة “الصيد” هذه تستهلك طاقة المرأة وجهدها وتركيزها في “أنوثتها” فقط بدلا من التركيز في عملها أو ترك مكانها لامرأة أخرى تريد العمل فعليا وليس باعتباره رحلة صيد.. لن أنسى يوما حين تحدثت معي “زميلة” عن رفضها لعمل المرأة وحين تعجبت لكونها تعمل فكان ردها التقائي أنها ستعمل حتى تجد الزوج المناسب ثم تتوقف عن العمل..

صراحة لا أتذكر تفاصيل النقاش بعد ذلك لكني أتذكر رغبتي الشديدة في ضربها (للأسف).. لا أعرف إن كانت وجدت صيدا مناسبا أم لازالت تعمل في مكان ما.. وأتمنى أن تكون تركت المجال لأخرى أكثر احتراما للعمل. المعايير المزدوجة والمجتمع الفصامي أثر على الجميع نسائه قبل رجاله وأحيانا تكون سلوكيات الأفراد ليس مقصودة بذاتها ولكن تحدث فقط لأن هذا ما اعتدنا عليه..

فالمرأة تكبر يوما بعد يوم لتجد الرجال حولها قابلين للتحرك والدعم ببذل بعض “الدلال” بينما يعارضون بقوة ويعرقلون من تبدي أنها قوية وقادرة على التحمل.. فتكون النتيجة نساء مقتنعات بحقوق المرأة لكن تصرفاتهن تكرس للتمييز ضدها والتعامل معها باعتبارها “أنثى” إذا تدللت وتجملت حصلت على مميزات وإذا اجتهدت في العمل فقط واجهت عرقلات متعمدة. عزيزتي المرأة المصرية أرجوكي لا تزيدي الضغوط على بنات جنسك بتعاملك “كأنثى” في مكان العمل..

فالعمل لا علاقة له بزوجك “اللي منكد عليكي”.. ولاعلاقة له بحالتك النفسية السيئة وشكوكك في خيانته لك..

ولا علاقة له بحماتك التي قلبت حياتك رأسا على عقب بزيارتها لمنزلك أسبوعا كاملا.. تلك أمور عائلية يجب حلها في إطارها العائلي دون التأثير على العمل..

وحين تطالبين بحقك في الترقي والعلاوات عليك بذل الجهد والانضباط وليس “الدلال”.. قد تواجهين صعوبات في البداية.. بالطبع ستكونين نموذجا غير سائد..

لكن مع الوقت سيتوقف الجميع عن التفكير في ما إذا كنت أنثى أم ذكر وسيتعاملون معك وفق موقعك الوظيفي سواء كنت زميلة أم رئيسة أم مرؤوسة.. وعندها  يمكنك الاطمئنان -إلى حد ما- لعدم التمييز ضدك. هناك بالفعل الكثير من الصعوبات التي تواجه المرأة في العمل فكثير من الأماكن ترفض من الأساس تعيين النساء وتفضل عليهن الذكور بدعوى أنهن ستزوج ويحملن وينجبن..

وكأن المرأة  تنجب لنفسها فقط والمجتمع لا يستفيد من هؤلاء الأطفال..

 أو كأن المجتمع يمكنه أن يستمر دون دور المرأة البيولوجي في الحمل والولادة.. هو دور لم نختره ولابد منه لاستمرار المجتمعات وبالتالي لا يجب أبدا التمييز ضد النساء لأنهن يقمن بدورهن في الحفاظ على الجنس البشري..

 مشكلة دور الرعاية للأطفال كارثة أخرى تثقل النساء فدور الحضانة الآمنة لإبقاء الأطفال والتي تتعامل معهم بإنسانية وبأسلوب تربوي سليم ليست كثيرة وحين توجد تكون تكلفتها المادية فوق طاقة أغلب النساء في مصر..

وحتى الشركات والهئيات التي تعين عددا من النساء يلزمها بتخصيص دار حضانة لأطفالهن لا تلتزم بالقانون.. التحرش كارثة أخرى تضيف إلى أعباء المرأة العاملة وأي امرأة تسير في الشارع بشكل عام..

 إلا أن كل تلك المشكلات وغيرها لا ينبغي أبدا استسهال حلها باستخدام سلاح “الأنوثة” لأنه لا يفعل شيئا سوى إطالة أمد المشكلات التي نواجهها في عملنا.. وتكرس لاستمرار الرؤية السائدة للمرأة باعتبارها أقل قدرة على العمل من الرجال وأقل التزاما من الرجال.