غربلة| نادية عطية تكتب: عن الدين والاغتصاب وطارق رمضان

 

 

 

إذا أردت مناقشة قضية طارق رمضان فسأناقشها من هذا المنطلق وبطرح هذا السؤال: هل يمكن أن يكون طارق رمضان مغتصبا؟وهو سؤال يجرني لسؤال آخر، هل منظومتنا القيمية الأخلاقية التي مصدرها الأول والأساسي هو الدين كما يشير محمد عابد الجابري تعتبر منظومة كاملة لا شائبة تشوبها، وهل يقتصر الأمر على أوامر علوية إلهية كاملة يكفي للانسان أن يفهمها ويأتمر بها كما يركز طه عبد الرحمن ليبلغ الكمال والنقاء والصفاء؟ وهل يكفي أن يتذكر الإنسان أن الله معه أينما كان -كما يحلو لطارق رمضان أن يردد في خطبه الدعوية للشباب- حتى يمتنع عن فعل الذنوب والآثام؟ أم أن الأمر أكبر من ذلك بكثير والإنسان أعقد من أن نفهمه ونفسر سلوكه ويحتاج ربما لمجلد مثل كتاب إدجار موران عن تركيبة الإنسان وتطوره بيولوجيا ليصبح كائنا ثقافيا واجتماعيا و...وليصبح كائنا مركبا ومتناقضا ربما..

لست هنا لأحاكم طارق رمضان ولا لأحكم عليه قبل القضاء لكني أود أن أضع منظومتنا الأخلاقية موضع تساؤل وكيف نحن المتدينون جدا فاسدون جدا، وكيف في بلدان يسود فيها الحجاب يكثر فيها التحرش ..الموضوع يحتاج لدراسة علمية ولمختبرات وإحصائيات لكني سأسمح لنفسي أن اثير بعض الملاحظات لنجيب على السؤال ..

كانت إحدى صديقاتي قد قالت إن سعد لمجرد لا يمكن أن يغتصب لأن له ملايين المعجبات اللاتي قد تركضن إليه إن أشار لهن. لكني أجبتها بأنه يمكن أن يكون مغتصبا لسبب بسيط: لأن مثله لن يقبل أن ترفضه فتاة دخلت غرفته بكامل إرادتها. ولأنه نشأ في بيئة تعتبر من تلبس الميني هي من تستفز المتحرشين فسيعتبر كل فتاة دخلت غرفته في الفندق إن رفضت أن تقيم معه علاقة جنسية فهي تهينه وتستهتر به. فلماذا جاءت إذن؟ هذا منطق من نشأ في بيئتنا من العامي حتى الفنان حتى المثقف وهو منطق مختلف عن بيئة الغرب تماما ..

يصعب أن أخوض في السؤال دون أن أخوض في الجنسانية ودون أن أخوض في هل الدين والتدين كاف لادعاء الطهرانية والأخلاق. بالنسبة للأولى، أعتقد أن الذكر الذي تربى على أن الفحولة تكتمل بعدد النساء والعلاقات في حياته وبأن امرأة واحدة لا تكفي، الذكر الذي تربى منذ طفولته الأولى على التباهي بعلاقاته المتعددة يمكن جدا أن يكون مغتصبا. الاغتصاب والتحرش يلازمان مجتمعات لا تعرف تربية جنسية سليمة. لا يتعلم فيها الذكر كيف يدرك ويعي تغيراته الفيسيولوحية والبيولوجية والنفسية ويتحكم فيها. مجتمعات تتعلم فيها الأنثى أن هذا الفعل الطبيعي ما هو إلا إثم وذنب يجب أن تتجنبه وتحمي نفسها منه.

 

النتيجة: ذكر وأنثى معاقان ومعطوبان لا يمكن أن تقوم بينهما علاقة سوية .. إذن فالجواب على السؤال متعلق بالتكوين النفسي والفيسيولجي والقيمي للشخص ربما بطفولته الأولى وليس بدرجة إيمانه. وأضيف أن الذكر الذي لديه نظرة دونية للمراة ويحملها آثام المجتمع وإخراج آدم من الجنة ممكن جدا أن يكون مغتصبا. الذكر الذي يعتبر نفسه وصيا على المرأة وراعيا لها يؤدبها إن أخطأت يمكن جدا أن يكون مغتصبا.. أعتقد أنني أجبت: طارق رمضان يمكن جدا أن يكون مغتصبا.. كما أن روسو الذي كتب كتابا في التربية لم يكن مربيا فاضلا لكن الفرق شاسع بينهما وهو الفرق بين منظومتنا الأخلاقية التي نريد لها مصدرا واحدا وبين منظومتهم الأخلاقية التي نمت وتنمو في ظل التقدم والحرية والمسؤولية والعلم والنقد. الفرق شاسع بين من يضع أوضاعه وقيمه موضع نقد شامل وبين من يكتفي بأسلمة القيم والعلم والسياسة والاقتصاد وكل شيء حتى نمط التغذية في إطار شعار فضفاض الإسلام هو الحل ..

 

قد يكون تضخيم قضية طارق رمضان إعلاميا لأغراض معينة لكن الذي يجب أن نسأله هل مشروعه الدعوي الذي يقوده بفرنسية متقنة وبطريقة في الكلام تجعلك تشك أن الذي أمامك سويسري أبا عن جد لولا لونه الأسمر. أقول الذي يجب أن نسأله: هل مشروعه الدعوي المنفتح الذي يروج للدفاع عن المسلمين في فرنسا يمكن أن يمنع الاغتصاب عن بناتنا وشبابنا، الاغتصاب بمفهومه الواسع ؟

 

++ غربلة مبادرة هدفها التشجيع على الكتابة في نقد ما يعتبره العقل الجمعي العربي قواعد ثابتة بينما تجاوزها الواقع والزمن والتطور من وجهة نظر الكاتبة أو الكاتب..

شكرا لكل من ساهمن وساهموا معنا في الغربلة.. ويمكن للمهتمات والمهتمين من كل الدنيا المشاركة بكتاباتهم وإرسالها مصحوبة بصورة شخصية على بريد إلكتروني [email protected] 

 

 

التعليقات